top of page
Search
  • Youssef Rakha

«إنك ذاهب إلى البار»: مقطع من الرواية الجديدة


(في عدد هذا الأسبوع من ملحق «كلمات»)

في أول أيامك، ذهبتَ إلى سانت كاترين وطلعت جبل موسى. ثلاث ساعات على المِدق أعلى فأعلى. تبدأ قبل منتصف الليل لتصل مع شروق الشمس وتشاهد المنظر من فوق. الجو ثلج وأنت طالع. قرب القمة بدوي يعمل شاياً بالمريمية. يمكن أن تقعد على حَجَر لتشرَب كوباً وتجدّد نشاطك قبل آخر ثلث ساعة. فوق رأس البدوي لمبة سهّاري عارية معلّقة من جذع شجرة، تصنع نوراً مهتزاً يبين من بعيد. شعرت أنك بطل وأنت تقترب من هذا النور. وظننت التيار متذبذباً أو اللمبة فاسدة حتى انتبهت إلى أنّ تحتها ناراً على حطب. كان هناك صوت مَزّيكة خافتة. مونولوغ لإسماعيل يس لم تكن سمعته أبداً. دقته السريعة المبهجة تتعارض مع كلامه الحزين: كلنا عاوزين سعادة، بس إيه هي السعادة؟ ولّا إيه معنى السعادة؟ قل لي يا صاحب السعادة، قل لي قل لي... هذه أول مرة تجيء إلى سانت كاترين، ووسط المجموعة التي طلعت معك امرأة لم تظن أنك ستنساها أبداً. ما زلت طالبَ ثانوي، لكنك تدخّن كالمعتوه ولا تمارس رياضة. لهذا انقطع نَفَسك في الطريق إلى فوق. والآن شعرت بالخَدَر ودفء النار في جسمك. الدخان يرقص على الحز الزجاجي وأنت ماسك الكوب. لما بادلتني الحنين، حلّفتني مية يمين إني أكون مخلص أمين. بعد حلفاني بيومين شفت الحبيبة وَيّا واحد والأكادة إنه صاحبي وهي عارفة العجيبة تبقى فين هي السعادة، قل لي يا صاحب السعادة قل لي قل لي... ومع المزيكة المبهجة الحزينة، سخونة مُسَكّرة فيها راحة خرافية ونجاة. كان طعم المريمية هو البيت. كل ما سيحصل بعد ما تذوقه عبارة عن تشرّد في الشوارع. هذا أيضاً ستنساه. المرأة لم يكن عمرها يتعدى أربعة وعشرين، لكنْ لأنك أنت سبعة عشر كانت امرأة. قصيرة وبيضاء بشعر أحمر وعينين عسليتين. عندما أومأتْ لك على الإفطار، بدت أبعد من آخر الدنيا. لكنها أومأت لك على الغداء، فبدت أقرب قليلاً. في المرة الثانية، ابتسمتْ فبانت في خدها غمّازة، خطر لك أن تتحسّسها بطرف لسانك، وبلبلك الخاطر. لكنّ قلبك طبّل فعلاً عندما رأيتها آتية ناحيتك. قالت لك إنها تبحث عن مجموعة تطلع معها الجبل بعد العشاء. صاحبتي مرضت، قالت. وانبهرتَ بلهجتها. كانت فلسطينية تدرس في لندن. وكانت تضحك وتحكي. طالما هي معك تحكي. ظلتْ أبعد من أن تتخيلها عريانة. كانت أكثر قليلاً من كل ما يمكن أن تحلم به. لكن رِجلك بقيت على رجلها حتى غادرتَ. عندما سمعت صوتها في تلفون بيت أهلك لم تصدق. قدامها أسبوع في البلد. وأنت معك ثمانية أيام حتى تنتهي إجازتك من المدرسة. سكرتما مرة. ادّعيتَ نسيان بطاقتك الشخصية وحلفت للرجل أنك في آخر سنة في الجامعة حتى يسمح لك بدخول البار، لكنه لم يفعل إلا لأنها معك. شربتما بيرة وتكيلا وبُستَها في الممر. كانت شَفَتها سمينة من غير أن تكون طرية. كانت مبتلة. وكان لسانها سردينة خائفة. لم تكن بست أحداً قبلها ومع ذلك قالت لك إنك تجيد البوس. قالت لك إنها تتحرّش بقاصر وهي تضحك. لكن عندما أضافت أنها جاهزة لاغتصاب قاصر بدت جادة جداً ونزلتْ من عينيها دموع. ومع أن هذا أكّد لك أن المستحيل سيحصل، ظل كل ما جرى في البار حلماً مصمتاً. لدرجة أنك صحوت في اليوم التالي وأنت تسأل روحك إن كنت توهمت الليلة كلها. وقتها لم تكن هناك موبايلات. لكنك تركت لها رسالة وقعدت جنب التليفون حتى اتصلتْ. وحالما سمعتَ صوتها عرفت أنه حصل. يومها اقترحتَ أن تُمضيا الوقت الباقي في كابينة عمتك، على شاطئ المنتزه. العائلة كلها تستعملها. كنت مسطولاً قليلاً من سيجارة بانجو شربتها مع جارك بعد الغذاء. وذهبت تسأل أمك إن كان يمكن أن تأخذ أصحابك إلى الكابينة. الآن؟ في هذا البرد؟ دائماً أقول لك يا ماما. البحر أحلى في الشتاء. ظلت مستاءة لكنها كلّمتْ عمتك. على الله النوة تأكلكم، قالت وهي تعطيك المفتاح. ركبتما قطار الإسكندرية في المساء. كنتَ كمن اجتاز امتحانات الالتحاق بالجَنّة وفي طريقه إلى أول محاضرة. الكورنيش ستارة رذاذ عملاقة ترفرف. بائع ذرة وحيد تحت تندة متهالكة وأنت بلا مِظلة. فرِحت أن لا أحد في الشارع. في الطريق كنت خائفاً كعريس ليلة دخلتِه لكنك خائف بالأكثر من التطفل وبوليس الآداب. عندما شبكت أصابعك في أصابعها، مالت برأسها على كتفك. ابتسامتها في تلك اللحظة كانت أحلى حاجة شُفتَها. ضحكتْ وقالت لك إن السماء تعرف أنها مجرمة، لذلك استقبلتها بالأعاصير. ثم باستك بسرعة في قفاك. الجو مثل قلبي، قالت. مثل ما سوى طالب الثانوي بقلبي. الكابينة بلا تدفئة، لكن لا أحد يشكو من البرد. جنب السرير أبجورة صغيرة. عندما رأيتَها عريانة، كل ما جاء في بالك أنك كان يمكن أن تموت قبل هذه اللحظة. وأن كون هذا الاحتمال وارداً يجعل الحياة بلا معنى على الإطلاق. جسمها يبرق قدامك في ضوء الأبجورة على صوت الموج العالي والمطر يضرِب الشباك. نحيف وطري وصغير جداً لكنّ في تضاريسه الجهات الأربع. كانت ترتعش قليلاً وأنت تتخبط بين رجليها. لم تَدلُّك. أمسكتْ كتفيك ونظرت في عينيك وهمستْ تنفّسْ. تنفس لتعرف طريقك. شممتَ فلفلاً وماء زهر. وعندما شعرت بروحك فيها، أدركت أن جسمك كان ناقصاً. هناك عضو خفي مفروض أن يكون في جسمك لم يكن فيه قبل ما يحصل ذلك. نَبَتَ تلقائياً عندما حصل. أنت لم تسأل روحك ما هو هذا العضو لكنك الآن تفكر أنه جناحان. لأنك عندما أصبحت فيها، تعلّمت الطيران. لم تكسر الجاذبية بالضبط لكنك كنت طائراً. ليلتها فهمتَ أن الأجسام ليست مجرد كِياناتٍ تتحرّك وتشتغِل فيها الحواس. الأجسام طيور نائمة. عندما تتصل ببعضها تنفرد أجنحتها فتذهب بأصحابها بعيداً. الدنيا في حقيقتها خفيفة وهشة مثل ريش طيور. وزنها يَثقل فقط عندما تكون الأجنحة مطوية. لكنك فهمت أيضاً أن الطيور نائمة أغلب الوقت. لذلك تظل الأعضاء مشلولة تحت ركام أيام بلا مياه في الهواء. أنت نفسك كان يمكن أن تموت قبل هذه اللحظة. الحماس يكاد يقتلك لكنّ هناك شيئاً كالفزع أو الخراب في صدرك. وتذكّرت أنها بعد يومين راجعة إلى لندن. أُبت إلى البيت ولم تُدرك ما يحدث، ولا أدركتَ ما يعنيه أن تُطرَد بعد إياب. فقط شعرت بالوجع وسط الحماس. كان صوت الريح أرغولاً. وكان الوجع حلواً وحارقاً مثل الفرحة. مثلما يتكلم الناس عن الموت من الفرحة. مُتَّ من الفرحة والنَوّة في الشباك. مع شروق الشمس، تركتها نائمة وعبرت الحدائق إلى الشاطئ حيث الموج قُببٌ ومآذنُ تتراقص كثعابينِ الكوبرا والدنيا ماء مالح. هكذا عرفت أن حياتك رحلة من الجبل إلى البحر. صحبك كلب أسود على الرمل خاطبته صارخاً فوق صخب الرشاش وجريتما نحو الماء الثائر. رواية «إنك ذاهب إلى البار» التي تصدر قريباً لتشكّل ختام ثلاثية «التماسيح»

87 views0 comments
bottom of page