جدلية

في تلك الفترة كانت قراءة ديوان المتنبي لأول مرة مع شروحه جزء من محاولات التعافي والعودة إلى الأدب بروح متجردة ونَفَس حر. في البداية لم يكن في بالي أن أكتب وكانت القراءة في جانب منها مثل عودة إلى الدراسة أو التعلّم. كنت أستذكر النحو والصرف والعَروض فضلاً عن معاني الكلمات. لكنْ حَدَثَ أن عثرتُ على بيت منفرد ثم آخر تأثّرت بهما على نحو دفعني إلى كتابة قصيدة نثر بمثابة ترجمة لكل منهما، ليس من لغة إلى أخرى ولكن من زمن إلى آخر أو من حساسية أدبية إلى أخرى، ودونما أدري كنت أستخرج ما يخصني من هذا الإرث العظيم على شكل نص معاصر.

64FCECEB-D8F8-41DF-BCB8-B1406B72392A.JPG

مهند عبد العظيم

«الشعر يُغيّر العالم». يكرر يوسف رخا هذه الجملة في كتابه الأخير «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة» (٢٠٢١)، ولا يعني بها أن الشعر ذو دور اجتماعي أو سياسي، بل إنّه يؤثر على وعي قارئه فيغير العالم كما يخبُره القارئ. يقول في «ولكن قلبي»: «وحتى لو لم يقرأه إلا شخص واحد، يظل أثمن وأروع من المنتجات الترفيهية بما فيها الكلام الموزون المقفّى لهذا السبب.»

BE12EF37-DE07-4069-A7B7-0FD94B8602B4.JPG

محمد عمر جنادي

يرى رخا أن نقطة التقاطع  مع كتابه الآخر «بره وزمان» عن المخرج شادي عبد السلام، والصادر بالإنجليزية بالتزامن مع «ولكن قلبي..» تتمثل أيضًا في «التعامل مع الآباء بخفة». «فإذا كان المتنبي أبًا في منطقة بعينها، فشادي عبد السلام هو أب كذلك في منطقته الخاصة. وربما يحتاج الموضوع إلى حديث آخر وتفكير طويل من أجل إقامة صلة بين العملين».

E6501ADF-0308-455E-A4D4-D16766193639.JPG

عماد فؤاد

قليلة هي المشاريع الكتابية التي تغامر لاستكشاف مناطق غير مأهولة، أو لم تطأها الأقدام بعد، ومنذ بدايته كان ليوسف رخا، الكاتب والشاعر والمترجم والصحافي المصري، الذي يكتب باللغتين العربية والإنكليزية، طريقته الخاصة في الكتابة، كما في التعامل مع الوسط الثقافي المصري أو العربي المحيط به.

88AD98EC-1BF6-40EE-979A-FB279EBA646F.JPG

عزت القمحاوي

الأبيات العشرون والقصائد العشرون بكل ما بها من تناقض أو توافق أو تجاور في الصور وفي المعاني؛ بكل انعكاسات الزمنين، تذكِّرنا بتجربة الانبثاق المنعشة للشعر من اللغة كما يصفها باشلار، وتذكّرنا بأحد مهام الشعر لديه وهي تأكيد الطبيعة غير المتوقعة للكلام، بما يجعله تدريباً على الحرية.

02BD7B6F-51DF-4A71-A0AF-C594ECF28A3D.JPG

شريف الشافعي

يلجأ رخا إلى المتنبي كصديق من لحم ودم وشعر بعد صدمته في الأصدقاء الحقيقيين والافتراضيين في آن واحد "رَحْلي خفيف في منامات السَفَر. على مسرح الجريمة، لا رفاق ولا طريق. فقط قاتلي الذي لا أراه"، ويلوذ بالشعر لكي يعيد للكلام اعتباره ووزنه وقداسته وموسيقاه الباعثة على التطهر، ليس بفخامة الألفاظ وسحر البيان بالتأكيد، لكن باعتبار الشعر مكانًا للحقيقة، التي يمكن بها تغيير العالم وتضميد الجراحات الغائرة.

F7642DEE-7E1B-4412-811D-DDE0B6B03108.JPG

سيد محمود

يرغب رخا في الارتقاء بالمعنى وهو يعرف الكتابة بأنها مثل الحب، تعري جلدك وتشغل دماغك لكي تكون مع شخص آخر أو تكون شخصاً آخر، وبهذه الطريقة تتغلب على الموت. والفرق أن الكتابة لا تحتاج إلى علاقات أو مساومات ولا تنتهي إلى خذلان أو إحباط ولا رفاه ولا بنين. فهم المؤلف أن الكتابة على غير كل الاستعمالات المطروحة للغة، تضع الواقع في خدمة الكلام وليس العكس، تساعد صاحبها على أن ينظر إلى العالم بلا مصلحة أو عقيدة.

57EE139E-D436-4E80-AD57-2F12FF924F69.JPG

محمود عبد الشكور

لكن كتاب ولكن قلبي متنبي الألفية الثالثة أكبر وأهم من كونه ديوان شعر، والحكاية وراء كتابته، لأنه في جوهره كتاب عن البحث عن الشعر، ليس كنوع أدبي محدود بكلمات وصور، ولكن باعتباره بوابة للعودة الى الذات، والى الآخر، والى الحياة كلها، الشعر هنا يتجاوز المكان والزمان، ليصبح روحا هائمة متجددة، وعندما يستعيد الشعر حضوره، في زمن يقوم بتغييبه، فإن الحياة تستعيد ألوانها، ويصبح الشعر بذلك من حيثيات استعادة المعنى المفقود، يصبح هو “الجدوى” نفسها، والضوء الذي يخرج الغريق من الظلمات الى النور.

BF59E30A-D23B-4534-8BB8-1933ECCCA1D7.JPG